مجمع البحوث الاسلامية

655

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أحبّائه . وإذا شبّهت الدّنيا بأنّها مزرعة الآخرة ، فقد شبّهت أيضا هنا بأنّها عمل تجاريّة ، حيث إنّ الإنسان يبيع البضاعة « رأس المال » الّتي أخذها من اللّه سبحانه ، يبيعها منه - تعالى شأنه - بأغلى الأثمان ، ويستلم منه سبحانه أعظم الأرباح المتمثّلة بالنّعم والهبات الإلهيّة المختلفة ، مقابل متاع حقير . إنّ جانب الإغراء في هذه الصّفقات التّجاريّة النّافعة ، كان من أجل تحريك وإثارة المحفّزات الإنسانيّة في طريق الخير ، وجلب النّفع للإنسان ودفع الضّرر ، لأنّ هذه التّجارة الإلهيّة ليست منحصرة أرباحها في جلب النّفع فحسب ، بل إنّها تدفع العذاب الأليم أيضا . قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ التّوبة : 111 . إنّ المفهوم من الآية أعلاه منسجم كلّيّا مع ما تحدّثنا فيه قبل قليل ، حول موضوع التّجارة الإلهيّة المقترنة بالأرباح العظيمة . [ لاحظ آية التّوبة ] ( 18 : 284 ) 7 - وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . الجمعة : 11 ابن عبّاس : تجارة دحية بن خليفة الكلبيّ . ( 471 ) نحوه الفرّاء ( 3 : 157 ) ، والبروسويّ ( 9 : 526 ) . القشيريّ : وما عند اللّه للعبّاد والزّهّاد - غدا - خير ممّا نالوه في الدّنيا نقدا ، وما عند اللّه للعارفين نقدا من واردات القلوب وبواده « 1 » الحقيقة ، خير ممّا يؤمّل المستأنف « 2 » في الدّنيا والعقبى . ( 6 : 154 ) البيضاويّ : وإفراد « التّجارة » بردّ الكناية ، لأنّها المقصودة . فإنّ المراد من اللّهو : الطّبل الّذي كانوا يستقبلون به العير . والتّرديد للدّلالة على أنّ منهم من انفضّ لمجرّد سماع الطّبل ورؤيته ، أو للدّلالة على أنّ الانفضاض إلى التّجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها ، إذا كان مذموما كان الانفضاض إلى اللّهو أولى بذلك . وقيل : تقديره : إذا رأوا تجارة انفضّوا إليها ، وإذا رأوا لهوا انفضّوا إليه . ( 2 : 477 ) الشّربينيّ : أي حمولا ، هي موضع للتّجارة . ( 4 : 290 ) الميلانيّ : الوجه السّادس عشر ، أي سبب تقديم التّجارة في الأوّل وتأخيرها في الثّاني ، الدّلالة على خسّة طبعهم في الأوّل ، كما تقول : زيد يكذب بدينار ، بل بدرهم ، فكأنّه إضراب عمّا تقدّم . وعلى حسن ما عند اللّه في الثّاني ، كما تقول : هذا أحسن من الدّرهم ومن الدّينار ، إذا أردت بيان رذالته في الأوّل ، وحسنه في الثّاني . ( تفسير سورتي الجمعة والتّغابن : 93 ) راجع « ف ض ض » ( انفضّوا ) . 8 - أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ . البقرة : 16

--> ( 1 ) البواده : ما يفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة ، وهي إمّا موجبات فرح أو موجبات ترح ، وسادات الوقت لا تغيّرهم البواده ، لأنّهم فوق ما يفجؤهم حالا وقوّة . ( الهامش ) ( 2 ) هو المريد المبتدئ الّذي ما زال يفكّر في الثّواب الآجل والثّواب العاجل . ( الهامش )